فخر الدين الرازي
122
شرح عيون الحكمة
فثبت : أن الذي نحكم عليه بكونه متقدما ومتأخرا ، قد يكون كذلك تبعا لغيره ، وقد يكون كذلك بالذات . ولا يجوز أن يكون كل ما كان متقدما ومتأخرا ، فإنه يكون كذلك تبعا لغيره ، والا لزم الدور أو التسلسل . فلا بد من الانتهاء إلى موجود يكون قبلا لذاته وبعدا لذاته . وأن الذي يكون يمتنع عقلا أن يصير بعد وبالعكس . وذلك هو الزمان . وهذه الحجة قوية في اثبات أصل الزمان . فأما أن هذا الزمان أهو نفس الحركة الفلكية أو مقدارها ، أو أمر مغاير لهما ؟ فذاك بحث عن ماهية الزمان . وهو أمر مغاير لما ( نحن ) الآن فيه . * * * ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الكتاب : أما قوله : « وأما الزمان فهو شئ غير مقداره وغير مكانه » فالمراد أن الزمان شئ مغاير لمقدار الجسم ومغاير لمكان الجسم . وأما قوله « وهو أمر به يكون القبل الذي لا يكون مع البعد » فالمراد : أن المتقدم والمتأخر قد يحصلان في المسافة ، وقد يحصلان في الزمان ، الا أن المتقدم والمتأخر بحسب المسافة قد يحصلان معا ، والمتقدم والمتأخر بحسب الزمان لا يحصلان البتة معا . فلهذا السبب قال : وهو أمر به يكون القبل الذي لا يكون مع البعد . وأما قوله « فهذه القبلية له لذاته ولغيره به » فهو إشارة إلى ما ذكرنا من أن الذي نحكم عليه بكونه قبل وبعد ، اما أن يكون لذاته ، واما أن يكون لغيره . ولا يجوز أن يكون كل شئ قبلا وبعدا لغيره ، والا لزم التسلسل أو الدور . وهما باطلان . فلا بد من الانتهاء إلى ما لا يكون قبلا وبعدا لذاته . وأما قوله « وهذه القبليات والبعديات متصلة إلى غير النهاية » فهذا إشارة إلى قدم الزمان . وهو كلام أجنبي عن هذا الموضع ، لأن المقصود من تفسير هذه الكلمات في هذا الموضع ( هو ) اثبات أصل الزمان . فاما القول في قدمه وحدوثه ، فذاك بحث آخر . وأما قوله : « والذي لذاته قبل شئ ، وهو بعينه يصير بعد شئ » فهذا إشارة إلى الدليل الذي تمسكنا به في اثبات أن كون الشئ قبل غيره أمر زائد على ذاته المخصوصة . فان الذات المحكوم